بغداد – قسم التحليل المالي في QB
تضع لغة الأرقام صانع القرار العراقي أمام معادلة اقتصادية شديدة القسوة؛ ففي اللحظة التي قفزت فيها أسعار النفط العالمية إلى مستويات قياسية بفعل الصراع الإقليمي، تجد الخزينة العامة نفسها محرومة من تسييل هذه العوائد، وتقف على حافة العجز عن تأمين فاتورة الأجور الشهرية.
حافة الهاوية قبل الأزمة (تسعير الـ 60 دولاراً)
بالعودة إلى المشهد المالي ما قبل اندلاع حرب الممرات، كانت الإيرادات النفطية المتوقعة تقف عند عتبة 200 مليون دولار يومياً، استناداً إلى سعر بيع اعتيادي يقارب 60 دولاراً للبرميل. هذه العوائد كانت تترجم محلياً عبر البنك المركزي إلى نحو 260 مليار دينار يومياً، لتشكل بمجملها حصيلة شهرية تلامس الـ 7.8 تريليون دينار. هذا الرقم كان يصنف كـ "موازنة بقاء حذرة"، حيث يُستنزف بالكامل كحد أدنى (يادوب يكفي) لتغطية بند الرواتب والأجور والرعاية الاجتماعية، دون ترك أي مساحة لمرونة مالية حقيقية.
مفارقة الـ 100 دولار وفخ الموانئ المغلقة
مع اشتعال شرارة الحرب الإقليمية وإغلاق مضيق هرمز، قفزت أسعار الخام عالمياً لتبلغ حاجز الـ 100 دولار للبرميل. نظرياً، كانت هذه القفزة بمثابة "طوق نجاة" استثنائي لمضاعفة الإيرادات اليومية. لكن واقع الحال، والمتمثل بتعطل الملاحة واستهداف الناقلات، حوّل هذه الطفرة السعرية إلى مجرد "أرقام وهمية على شاشات التداول". الدولة اليوم تُحرم من فرصة تاريخية، وتراقب برميلها المرتفع وهو محتجز داخل أنابيب لا تجد طريقاً للتصدير.
انقطاع "الكاش" ودوامة الاقتراض
المعضلة الجوهرية اليوم تكمن في التوقف المفاجئ لـ "دورة السيولة اليومية". فالاقتصاد الذي كان يلهث يومياً لجمع 260 مليار دينار لسداد التزامات نهاية الشهر، يواجه اليوم "تصفير" قسرياً لدخله السائل. هذا الجفاف اللحظي في تدفقات "الكاش" هو ما يُفسر التحذيرات الحكومية الأخيرة، ويدفع وزارة المالية للتفكير بخيارات "الاقتراض الداخلي" لسد الفجوة الهائلة بين التزام شهري حتمي (7.8 تريليون دينار) وبين صادرات متعطلة لا تدر دولاراً واحداً.
الخلاصة:
ارتفاع سعر النفط بلا موانئ تصدير، كامتلاك ثروة هائلة داخل قاصة ضاعت مفاتيحها.. فالاقتصاد العراقي الذي كان ينجو بصعوبة عند 60 دولاراً، يجد نفسه اليوم يغرق في أزمة سيولة رغم وصول برميله إلى 100 دولار.

💬 التعليقات (0)
كن أول من يعلّق على هذا المحتوى