بغداد – قسم المقالات والتحليل الاستراتيجي في QB

​في أحلك ساعات الاقتصاد العراقي، ومع اختناق شريان التصدير الجنوبي إثر نيران الإقليم، تطرح أربيل معادلة تفاوضية شديدة القسوة؛ رابطةً النجاة النفطية لبغداد عبر خط (جيهان) بثلاثة شروط سيادية ومالية تمثل، بلغة الأرقام، محاولة لتفكيك الهيكل المالي والنقدي للدولة الاتحادية.

​فاتورة الرواتب بأثر رجعي.. (Overload) مالي

الشرط الأول المتمثل بـ دفع رواتب موظفي الإقليم للعام الماضي، يأتي في توقيت تعاني فيه الخزينة الاتحادية من "شلل تدفقات نقدية" حاد. ففي اللحظة التي تدرس فيها الحكومة خطط "الاقتراض الداخلي" لتأمين أجور موظفي الدولة للشهر المقبل بسبب توقف التصدير، تُطالب أربيل بضخ تريليونات الدنانير كأثر رجعي. هذا الشرط يفرض (Overload) تعجيزياً على السيولة المحلية، ويدفع وزارة المالية نحو حافة العجز الشامل.

​تفكيك "الجدار الناري".. العودة لاقتصاد الظل

أما الشرط الثاني، وهو إلغاء العمل بنظام (الأسيكودا - ASYCUDA) في منافذ كردستان، فهو الأخطر استراتيجياً. هذا النظام يمثل "الجدار الناري" (Firewall) الذي بنته الحكومة لضبط الإيرادات الكمركية ومنع التهريب. مطالبة الإقليم بإلغائه تعني إبقاء منافذه كـ "ثغرة سوداء" خارج رادارات الرقابة المالية لبغداد، مما ينسف كل جهود الأتمتة ويسمح باستمرار استنزاف العملة الصعبة عبر استيرادات غير مدققة.

​استنزاف "المنصة".. دولارات بلا امتثال

ثالث الشروط يطالب بـ توفير الدولار بالسعر الرسمي لتجار الإقليم. هذه الخطوة، إذا تمت دون خضوع تجار أربيل لمعايير "الامتثال الرقمي" الصارمة التي يفرضها البنك المركزي عبر منصته الإلكترونية، ستخلق قناة خلفية لتهريب الدولار. إنه طلب صريح لمنح أربيل حق استنزاف الاحتياطي السيادي للدولة وتمويل تجارتها بالسعر المدعوم، دون الالتزام بخوارزميات الشفافية التي قيدت أسواق بغداد وباقي المحافظات.

​نفط كركوك.. الرهينة الجغرافية

بربط هذه الشروط التعجيزية بملف تصدير نفط كركوك، تستخدم أربيل الجغرافيا كـ "سلاح تعطيل شامل". منع تدفق ما يقارب 500 ألف برميل يومياً كبديل إسعافي عن موانئ البصرة المعطلة، يعني أن الإقليم يضع الحكومة الاتحادية بين مطرقتين: إما الخضوع لانهيار مؤسساتي ورقمي، أو ترك الاقتصاد العراقي يغرق في أزمة سيولة غير مسبوقة.

​الخلاصة:

أربيل في هذه الأزمة لا تفاوض على تصدير برميل النفط، بل تفاوض على تفكيك "النظام المالي الرقمي" لبغداد.. وفي زمن الحروب، من يساوم الخزينة المحاصرة بشروط تعجيزية، يطلق رصاصة الرحمة على الاقتصاد الوطني بأكمله.