بغداد – قسم الاقتصاد السياسي والتحليل الاستراتيجي في QB
لم يكن إعلان الانفراجة واستئناف ضخ النفط عبر خط جيهان التركي انتصاراً مجانياً للخزينة الاتحادية. فخلف النشوة الدبلوماسية وتراجع أربيل عن شروطها المعلنة، يختبئ "ملحق مالي" صامت كشفت عنه لغة الأرقام الدقيقة؛ وهو الثمن الحقيقي الذي وافقت بغداد على دفعه لفك الارتباط مع أزمة مضيق هرمز، والمتمثل بـ "رسوم عبور" (Transit Fees) تفرضها شركات حزبية وأجنبية على نفط الدولة السيادي.
"عداد العبور".. تفكيك فاتورة الـ 2 دولار
استناداً إلى قراءات الخبراء والمصادر الموثوقة (أبرزها الأكاديمي د. نبيل المرسومي)، فإن الاتفاق الطارئ تضمن بنداً مالياً يُلزم الحكومة الاتحادية بدفع دولارين (2$) كرسوم مرور عن كل برميل يُضخ من حقول كركوك عبر الأنبوب الكردي الممتد إلى "فيشخابور".
بلغة الأرقام اللحظية: ضخ 200 ألف برميل يومياً يعني أن بغداد ستدفع 400 ألف دولار يومياً (ما يعادل قرابة 12 مليون دولار شهرياً) تذهب مباشرة إلى حسابات الشركات المالكة للأنبوب داخل الإقليم، وفي مقدمتها مجموعة "كار" (KAR) المرتبطة بالحزب الحاكم، و"روزنفت" الروسية، وشراكات استثمارية أخرى.
براغماتية الإنقاذ أم "تسعير الابتزاز"؟
في علم الاقتصاد السياسي، تُقرأ هذه الخطوة بوجهين متناقضين:
وجه الرضوخ (الاحتكار الجغرافي): يرى المنتقدون أن دفع الخزينة الاتحادية لرسوم مرور لشركات محلية كي تعبر ثروة البلاد من محافظة (كركوك) إلى منفذها الحدودي (فيشخابور)، هو سابقة تكسر هيبة "السيادة المطلقة" على الموارد، وتثبت نجاح تكتيك "الاحتكار الجغرافي" الذي مارسته أربيل. الأنبوب هنا لم يعد بنية تحتية وطنية، بل "نقطة جباية" (Tollbooth) حزبية.
وجه البراغماتية (حسابات العائد): من زاوية صانع القرار المالي المحاصر، فإن دفع 400 ألف دولار يومياً لاسترداد مبيعات بقيمة 20 مليون دولار يومياً (باحتساب سعر البرميل عند 100 دولار)، هو "شر لابد منه" وعائد استثماري (ROI) حتمي لإنقاذ رواتب الموظفين وتفادي الانهيار الشامل في ظل إغلاق المنافذ الجنوبية. إنها كلفة "النجاة المؤقتة".
فخ البنية التحتية المخصخصة
هذه التسوية المالية تعيد تسليط الضوء على الخلل البنيوي الأخطر في قطاع الطاقة العراقي. كيف تحولت الخطوط الناقلة الاستراتيجية، التي من المفترض أن تكون شرايين سيادية تخضع لوزارة النفط الاتحادية، إلى أصول مخصخصة تدر ريعاً يومياً لشركات حزبية وأجنبية؟ هذا الارتهان للبنية التحتية يفسر لماذا لوّحت بغداد مؤخراً بضرورة الإسراع في إنشاء "أنبوب موازٍ" كخيار وحيد للتحرر من هذا العبء.
الخلاصة:
الأزمة لم تُحل، بل "تُمّت جدولتها مالياً".. فبغداد نجحت في كسر الحصار، لكنها دفعت ضريبة قاسية أثبتت أن الدولة التي لا تملك أنابيبها بالكامل، ستضطر يوماً ما لدفع الإيجار للمرور فوق أرضها.

💬 التعليقات (0)
كن أول من يعلّق على هذا المحتوى