بغداد – قسم الاقتصاد السياسي والتحليل الاستراتيجي في QB

​في رقعة الشطرنج الجيوسياسية، لا توجد انتصارات دائمة، بل "تحركات مضادة" تعيد خلط الأوراق في لحظة حاسمة. وبينما كان المفاوض العراقي يحتفل بانفراجة "جيهان" مبنياً حساباته على طفرة الـ 108 دولارات للبرميل، ألقت الإدارة الأمريكية بـ "الورقة الثقيلة" (The Wildcard) على الطاولة: رفع العقوبات المفاجئ وعودة ملايين البراميل الإيرانية إلى الموانئ العالمية خلال 96 ساعة.

​هذا الإعلان العاجل لوزير الطاقة الأمريكي ليس مجرد خبر سياسي، بل هو "زلزال تسعيري" سيغير مسار التدفقات النقدية في المنطقة بالكامل، ويضعنا أمام قراءة فلسفية ورقمية قاسية للمشهد:

​1. هندسة التضخم واستخدام "الورقة الإيرانية"

كما حللنا سابقاً، الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي جمّد الفائدة عند نطاق 3.5% - 3.75% لتجنب الركود، لكنه كان مرعوباً من "التضخم المستورد" بسبب قفزة النفط. كيف تخفض الأسعار دون رفع الفائدة؟ الإجابة الأمريكية الكلاسيكية: "صدمة العرض" (Supply Shock).

الولايات المتحدة أدركت أن ترك أسواق الطاقة تحت رحمة إغلاق مضيق هرمز واستهداف الناقلات سيحرق الاقتصاد العالمي. لذا، وببراغماتية مفرطة، تم وضع الخلافات السياسية جانباً، ورُفعت العقوبات عن طهران لضخ ملايين البراميل المتكدسة في الخزانات العائمة الإيرانية فوراً إلى الأسواق. هذا الإغراق المتعمد يهدف إلى "كسر ظهر" الأسعار وإعادتها إلى مستويات ما قبل الأزمة بقوة مفرطة.

​2. فخ "رسوم جيهان".. تبخر الفائض السيادي

هنا تبرز الكارثة الرقمية للاقتصاد العراقي. اتفاق استئناف التصدير عبر إقليم كردستان بُني على افتراض استمرار الأسعار المرتفعة لامتصاص "رسوم العبور" الباهظة (دولارين للبرميل، أي 400 ألف دولار يومياً).

إذا أدى دخول النفط الإيراني إلى انهيار الأسعار وعودتها إلى مستويات السبعينيات أو الثمانينيات، فإن "الفائض الاستثماري الطارئ" الذي كانت تعول عليه بغداد سيتبخر في الهواء. ستجد الخزينة الاتحادية نفسها مجبرة على دفع إيجار باهظ لشركات الإقليم من أصل سعر برميل متهاوٍ، مما يحول الانفراجة التكتيكية إلى "نزيف مالي" جديد يثقل كاهل الموازنة، ويعيد كابوس توفير الـ 7.8 تريليون دينار للرواتب إلى نقطة الصفر.

​3. لا أعداء دائمين في أسواق الطاقة

الدرس الفلسفي الأهم من هذا التطور: في اقتصاديات الطاقة، لا توجد عقوبات مقدسة. واشنطن التي فرضت حصاراً خانقاً على طهران، هي ذاتها التي تفتح لها الأبواب اليوم لإنقاذ المستهلك الأمريكي من غلاء الوقود. الدول التي تبني استراتيجياتها المالية على افتراض "استمرار صراعات الآخرين" (كالرهان على إغلاق هرمز لرفع السعر) تجد نفسها دائماً الخاسر الأكبر حين يقرر الكبار عقد صفقات التسوية.

​الخلاصة:

الأسواق لا ترحم من يشتري الحلول المؤقتة بأسعار باهظة.. الضربة الأمريكية أعادت الأسعار إلى مربعها الأول، لتثبت لبغداد أن "هندسة الاستغناء" وبناء موانئ وأنابيب سيادية آمنة في الجنوب والغرب، أجدى ألف مرة من دفع "رسوم عبور" باهظة في الشمال لإنقاذ لحظة قد لا تدوم سوى أيام.